عبد الرزاق اللاهيجي

116

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام

للوجود سواء كان من شانها ان نعقل أو لا لكانت غير منفكة عن الوجود الّذي هو زائد عليها فيكون في ذلك محتاجة إلى العلة وهذا معنى كلام الشيخ فيما مر من أن كل ما له ماهية سوى الانية فهو معلول إذ ظاهر انه لا اثر في ذلك لكون الماهية من شانها ان يحصل في العقل أو لا كيف وهو صرح بان كل ما يمكن ان يحصل منه في مدرك من المدارك فهو عرضى بالنسبة إليه ولا شك في انه يحصل من تلك الذات في العقل مفهوم الموجود فيكون مفهوم الموجود عرضيّا بالقياس إليها وكل عرضى معلول لا محالة سواء كان معلولا للذات أو لغيرها وبالجملة إذا كانت للواجب ذات سوى الوجود فلا امتناع في ان يجرّدها العقل عن الوجود بمجرد ان تلك الذات لا يمكن حصولها في العقل ضرورة ان تجريد الشيء عن الشيء لا يتوقف على حصول شيء منهما بكنه في العقل ذاته فإذا لم يمتنع يلزم كون الواجب معلولا فان قلت إذا كان زيادة شيء على شيء في العقل فقط ومعنى كون الزيادة في العقل هو ان للعقل ان يلاحظ أحدهما بكنه مفهومه بدون ملاحظة الآخر فيتوقف ذلك لا محالة على حصول كل منهما بكنهه في العقل قلت كون الزيادة في العقل يتوقف على كون الشيئين بحيث لو فرض حصول أحدهما في العقل لامكن انفكاكه عن ملاحظة الآخر على حصوله بالفعل ولا على امكان حصوله أيضا فلو كان للواجب ذات سوى الوجود لكانت لا محالة بحيث لو فرض حصولها في العقل لكان الحاصل منها غير الوجود إذ ذاك هو معنى كون الشيء له ذات سوى الوجود وبالجملة الوجود كما مر انما هو كون الذات وليس بذات وإذا فرض كونه قائما بنفسه لا بماهية وذات غير نفسه يكون ذاتا هي عين الوجود وفرد لمفهوم الوجود وينبغي ان يعلم أن حقيقة الواجب انما يمتنع حصولها في العقل لكونها عين حقيقة الوجود وحقيقة الوجود الخارجي يمتنع حصولها في الذهن والا لانقلب الذهن خارجا وهذا الامتناع ليس مختصّا بالواجب بل كل ما هو فرد للوجود الخارجي سواء كان قائما بذاته أو بمهيته يمتنع ان يحصل في الذهن الا انه لما كان الممكن حقيقة وذاته غير وجوده وحقيقة الواجب عين وجوده اختص امتناع حصول الكنه الّذي هو الذات والحقيقة في العقل بالواجب دون الممكن فلو كان للواجب ذات سوى الوجود لم يمتنع حصولها في العقل والحاصل ان الموجود الّذي لا يمكن ان يحصل منه في العقل ما هو عبارة عن الذات لا يمكن ان يكون غير الوجود لان كل ما هو غير الوجود من شانه ان يحصل في العقل ما هو عبارة عن الذات والماهية المقابلة للوجود بالضرورة واما توهم المخالفة بين كون الواجب لا ماهية له وكون ماهيّته انيته مما لا ينبغي ان يقع من المحصّلين تتميم تحصيلي هذا الّذي ذكرنا كان بيان موجودية الواجب الوجود وانه بكونه فردا من الوجود قائما بذاته واما موجودية الممكنات فبقيام افراد حقيقية للوجود على المهيات الممكنة قياما حقيقيا عقليا كما هو مذهب الحكماء لا بقيام الحصص الإضافية التي هي افراد اعتبارية حاصلة من إضافة هذا المفهوم الانتزاعي إلى ماهية ماهية عليها قياما اعتباريّا على ما هو مذهب المتكلمين وذلك لما عرفت من أن الماهية غير منفكة عن الوجود والكون في نفس الامر خارجا كان أو ذهنا سواء انتزع منها هذا المفهوم العام أو لا ولا بكون الماهية منشأ لانتزاع هذا المفهوم منها وان كان باعتبار انتسابها إلى الجاعل وارتباطها به انتسابا وارتباطا صدوريّا على ما هو اختيار كثير من محققي المتأخرين المعتنين بالحكمة كما أن موجودية الواجب عندهم انما هي بكونه منشأ لانتزاع هذا المفهوم بنفس ذاته